العيني
41
عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان
القدماء ، فإنه أظهر حزماً واجتهاداً ويقظة واستعداداً ولم يسلم القلعة ، بل صمم على امتناعه وأخذوه بأنواع من الترهيب والترغيب ، فلم يرهب السطا ولا رغب في العطا ، ونصبت عليه المجانيق ، فما هاله أمرها فتح لها بابا حتى رحل قازان عن البلاد ولم ينل منها ما أراد ، ولما اشتد الحصار وأحاطت بالقلعة جموع التتار خاف أن يستولوا عليها من الأماكن والمساكن التي عليها ، فهدم جميع ما حولها من العمائر والبيوت وصيرها دكا ، وهدم دار السعادة وكان هدمها من السعادة لئلا يتستر العدو في المنازلة بجدرانها ويتسلطوا بنصب المجانيق خلف بنيانها ، فتناوبوا على حصارها أياماً متواترة ، وليالي متكاثرة ، ولم ينالوا منها مراماً ولا رأوا من نائبها تسليماً ولا سلاماً ، فصبروا إلى أن أدركهم لطف الله ، فسلموا وصابروا وما سلموا . وعلم قازان أن أموال دمشق جميعها بالقلعة ، وفيها خزانة السلطان الناصر ، وأموال الأمراء وغيرهم ، وأنه لا يتم له ملك ولا يملك قلعة من قلاع الشام حتى يملك قلعة دمشق ، فإن أمر القلاع معدوق بأمرها ، فطلب قفجق وبكتمر وغيرهما واستشارهم في أمرها ، فعرفوه أنها قلعة حصينة ، وأن نائبها رجل شديد البأس وما يمكن أخذها إلا بعد قتال شديد وتلاقي العسكر . وحضر في ذلك الوقت نجيب الدين وزير قازان من غزنة ، فأشار عليه أن يعمل المنجنيق ويتوصل به إلى هدم القلعة ، فرسم له عند ذلك بالإنعام الكثير ، فشرع في عمل ذلك ، وساعده جماعة من أهل دمشق على قطع الأخشاب